دفاتر الأيام

ذاكرة الغياب...علي الخليلي

عادل الأسطة

2017-10-01

كما لو أن علي الخليلي يخاطبني الآن. كما لو أنه يقول لي: «إنني أطمح أن أُنافس أدونيس ومحمود درويش». ولقد قالها لي بالفعل قبل أربعين عاماً تقريباً.
كان علي عاد من المنفى ليُسهم في تنشيط الحركة الأدبية في فلسطين، وكان الشهيد خليل الوزير وراء عودته.
افتتح علي مكتبة «الوطن» وأراد ان يستقر في نابلس،  وفي مكتبته تعارفنا وبدأت صداقتنا إلى يوم رحيله.
رحل علي قبل سنوات قليلة وما زالت ذكراه تلازمني، وغالباً ما يراودني شعور بالأسى والحزن، فما طمح إليه يقول لي غيابه إنه لم يحققه. لا حقق شهرة أدونيس ولا قُرئ كما يُقرأ درويش، ولم تترجم من أشعاره وأعماله إلى لغات أخرى إلا أقلها.

سؤال الأعمال الكاملة:
طُبعت أعمال علي الخليلي الكاملة الشعرية قبيل وفاته، ولم يفرح بها ولم يُهدِ أصدقاءه نُسَخاً منها ليحظى بمراجعات لها. هل أنجزت جهةٌ ما مثل بيت الشعر أو وزارة الثقافة أو عائلته هذه المهمة؟
لم تحظَ أعمالُه الشعرية الكاملة بمقاربات نقدية، مثل أعمال شعرية كاملة كثيرة أصدرها بيت الشعر لأحياء أو لأموات، ما يثير سؤالاً عن جدوى الشعر وجدوى طباعة الأعمال الكاملة.
لا أعرف حقاً ماذا ألمَّ بالأعمال الشعرية الكاملة التي اجتهد بيت الشعر الفلسطيني على إصدارها، وهل يفكر بيت الشعر بتجربته؟
 غالباً ما أتذكر عبارات علي يوم تعارفنا. هل كان طموحُه مشروعاً؟
ما سببُ عدم الالتفات إلى كثير من أُدبائنا الراحلين،  وتحديداً الشعراء؟ 
 أهو أفول زمن الشعر أم أن ما أنجزه كثيرون منهم لم يتجاوز الشاعر الذي لفت الأنظار؟ هل يعود السبب إلى المؤسسة السياسية والثقافية والاجتماعية و...أم الأمر يتعلق بالشعراء وكاريزميتهم الشخصية والشعرية و..و..؟
غالباً ما أتذكر علي الخليلي وأتساءل عن جدوى الكتابة. ربما يغدو الكاتب بعد وفاته سطراً في موسوعة لا سطراً في كتاب.! ربما عليه أن يهيئ نفسه في حياته لهذا وألا يحزن.
وأنا أسير في البلدة القديمة في نابلس وأمر بالقرب من فرن الخليلي أتذكر الشاعر. هنا عاش علي طفولته، ومن هذا المكان استمد عنوان سيرته «بيت النار «-الجزء الأول، ولا أعرف إن كان علي كتب الجزء الثاني.
ألتفتُ إلى الفرن فأتذكر السيرة التي لم تنل حظها أيضاً، مثل شعر الشاعر، من الدرس والشيوع. هل سيرة علي وحده هي السيرة الذاتية التي لم تحظَ باهتمام؟ هل كانت سيرةً متواضعة أم أن سيرة الشاعرة فدوى طوقان «رحلة جبلية..رحلة صعبة» غطت عليها أيضاً؟ 
هناك سِيَر ذاتية فلسطينية عديدة لم تحظَ أيضاً باهتمام. سيرة سميح القاسم، وسيرة حنا ابراهيم، والجزء الثاني من سيرة فدوى، والجزء الثاني والثالث من سيرة حنا أبو حنا  و..و...هل نحن حقاً قراء سِيَر ذاتية أم أن فن السيرة الذاتية في أدبنا مثل فن الشعر: لا قُرّاء له.؟
وأنا أمر بمحاذاة فرن الخليلي أتذكر الشاعر وأُلقي نظرةً على الفرن من الداخل. رمم أصحاب الفرن الفرن على أمل إحيائه ولم ينجح. الآن الفرن محل لتصليح أجهزة الكمبيوتر أو أجهزة تلفازات قديمة. ولّى زمن البلدة القديمة وولّى نمط حياة الحارة تقريباً. إنه زمن العمارات السكنية والتجارية الذي كتب عنه علي في 1977 في ديوانه «الضحك من رجوم الدمامة «. لم تكن العمارات ارتفعت ولكن الشاعر تخيلها وكتب: «العمارات ارتفعن».
ولا أذكر الكثير من أشعار علي. لا أحفظ منها قدر ما تلح علاقتي به على ذاكرتي. أيعود الأمر إلى الذائقة؟ ربما، ولكن علياً نفسَه ما كان يحفظ شعره.
كان علي متحدثاً جيداً وكان ذا عقل جدلي. كان يقرأ الماركسية ويتكئ عليها في تنظيراته، وهو الذي اختار عنواناً لأحد دواوينه لم يخلُ من دال «جدل» «جدلية الوطن». وفي دراسته الأمثال الشعبية الفلسطينية اتكأ على التنظير الماركسي، وسار في دراساته العديدة عن الأدب الشعبي على الطريق نفسه، والمحزن أيضا في مسيرته أن دراساته هذه التي أراد أن يواصل فيها نهج توفيق زياد لم يلتفت إليها.
في هذا العام ستحتفل مؤسساتنا الثقافية وعلى رأسها وزارة الثقافة بمئوية(؟) فدوى طوقان  1917_2017. وقبل سنوات اعتُبر يوم ميلاد الشاعر محمود درويش يوماً للثقافة الفلسطينية. هل التُفت إلى ميلاد غسان كنفاني؟ رفاقُه في الجبهة الشعبية وأصدقاء رفاقه لا يقصرون، فهم غالباً ما يلتفتون إلى ذكرى استشهاده ، بل وأخذوا يلتفتون إلى ذكرى ميلاده.
هل ستحتفل جهة فلسطينية ما، في نابلس أو في خارجها بذكرى علي الخليلي؟ 
كلما اقتربت ذكرى رحيله. كلما مررتُ بفرن الخليلي- بيت النار-، كلما نظرت إلى بيت علي قرب جامعة النجاح الوطنية تذكرت الشاعر وتذكرت بيوت بعض الشعراء في الغرب. هل يفكر آل الخليلي مثلاً أو آل طوقان مثلاً في أن يحولوا مكان سكن علي وابراهيم وفدوى إلى متحف؟ غالباً ما أرى بيتَ آل طوقان في البلدة القديمة مغلقاً. لقد تحول إلى ديوان للعائلة يفتتح في المناسبات.
حقاً ماذا بقي من كثير من شعرائنا وأُدبائنا الراحلين؟   وهل نحن ملومون؟
أراد علي أن يكتب قصيدة جديدة وحديثة ومختلفة ولم يبق من قصيدته إلا ذكراه، فما جدوى القصيدة الحديثة في مجتمع بلا حداثة وفي وطن يضيع قديمه وتُستوطن أرضُه؟ 
ومع ذلك فإن ذكرى علي الخليلي تلح علي.
 

التعليقات


3 . فراس حج محمد/
الأحد 01 تشرين الأول 2017 18:25:29

هل تم مثلا إقرار أشعار علي الخليلي لتدرس في مقرر الأدب الفلسطيني الحديث؟ وهل اقترح الدكتور الأسطة على طلبة الدراسات العليا إنجاز دراسات عنه كرسائل جامعية في حين أن مهتم بدراسة الرّواية كثيرا ويقترح عناوين لدراسة روائيين جدد مثل عاطف أبو سيف؟ إذن يبدو أن التقصير ليس في القارئ وحده يا دكتور عادل!!

2 . فرج الخليلي/
الأحد 01 تشرين الأول 2017 12:03:51

كلمات جميلة وذات دلالات رائعة ...شكرا لك عادل الاسطة ...نعم الصديق الوفي.

1 . غازي الخليلي/
الأحد 01 تشرين الأول 2017 10:08:57

شكرا أستاذ عادل على هذا النص الجميل الذي اعدت فيه الى الذاكرة ذكرى شقيقي علي في الذكرى الرابعة لوفاته. آسف لأني لا اعرف رقم جوالك لاتصل بك لأحييك على هذه اللفتة الكريمة.


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: