دفاتر الأيام

ترجمة الترجمة

عادل الأسطة

2017-09-24

انشغلت الأسبوع الماضي ثلاثة أيام في البحث عن نصين فلسطينيين من الأغاني الشعبية شاعا في 50 و60 ق 20 في الجليل الفلسطيني، وأظن في قرى سخنين والشاغور والبطوف - أو هكذا خمنت من الكتاب الذي كنت أقرأ فيه، وللأسف لم أتمكن من العثور إلا على جزء ضئيل من أغنية، وما حصلت عليه جعلني أقدم على الكتابة تحت العنوان المدرج "ترجمة الترجمة".
ولترجمة الترجمة حكاية سببت لي ألماً وما زالت آثاره تعاودني حين أتذكر القصة.
مرة قرأت مقالة للكاتب المرحوم سلمان ناطور ترجم فيها نصاً عن العبرية ورد فيه اقتباس من رواية إميل حبيبي "المتشائل"، ولما قرأت ما ورد في النص المقتبس من كتابة تعزى لإميل قلت: "لا يعقل أن تكون هذه الكتابة من روايته "واستبد بي الفضول وعدت إلى "المتشائل" وبحثت عن الفقرة بلغة إميل فهالني ما وجدت من فرق كبير بين الأصل وترجمة الترجمة، لا نقل النص عن لغته الأولى.
كتبت مقالة أتيت فيها على تجربتي في الترجمة - وكنت ترجمت رسالة ماجستير عن الألمانية عن فدوى طوقان ومجموعة دراسات كتبها أساتذة ألمان عن الأدب الفلسطيني والعربي، وفي أثناء الترجمة كنت أعود إلى النص الأصلي وأنقله، فلم أكن أترجم الترجمة - وقد أساءت مقالتي للمرحوم سلمان ناطور من حيث لم أقصد الإساءة، فقد كان قصدي الإحسان والتنبيه، وأخبرت بأن هناك من اتصل بالمؤسسة التي كان سلمان يعمل فيها لتستغني المؤسسة عن خدماته.
لم يغضب مني سلمان وتواصلت علاقتنا، وحين شارك بمؤتمر عن نشاطه في الترجمة أشار إلى بعض أخطاء وقع فيها وشكرني لتنبيهه، فقد كان - رحمه الله - يتقبّل النقد ويصغي إلى من له رأي آخر.
هل اختلفت في بعض ما أذهب إليه عن بعض الترجمات عما كتبه غسان كنفاني عن ترجمات المترجمين العرب؟
مرة كتبت مقالاً عن رأي غسان في ترجمات بعض المترجمين العرب وقد ورد مقال غسان في كتاب "فارس..فارس" الذي أعده وأصدره الناقد محمد دكروب عن دار الآداب في العام 1998.
وفي مقاله يأتي كنفاني على بعض أخطاء المترجمين، فمدينة أريحا حين تترجم عن كتاب إنجليزي تغدو جرش و...و...ويمكن قراءة مقال كنفاني "القدس بين 3 مصائب: الاحتلال والتأليف والترجمة" ص171 ومقالي عنه في الأيام الفلسطينية وعنوانه "في الاستشراق والاستغراب والأيدي الخارجية وما أدراك".
الكتاب الذي قرأت ترجمة الترجمة فيه هو كتاب "العرب الصالحون...غاية الأرب ومنتهى العجب في ترويض النخب وتطويع العرب" من تأليف د. هليل كوهين وترجمة وتحقيق عصام زكي عراف، وموزع الترجمة هي مكتبة كل شيء في حيفا وقد طبع الكتاب في المطبعة العربية الحديثة/ القدس، والكتاب هو الثاني للمؤلف في باب الكتابة عن المتعاونين العرب مع الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، فالكتاب الأول كان عنوانه "جيش الظل: المتعاونون الفلسطينيون مع الصهيونية 1917 - 1948" وقد نقلته إلى العربية هالة العوري، ولم تتم الترجمة عن العبرية وإنما عن الإنجليزية. وصدرت الترجمة عن منشورات بيسان للنشر والتوزيع في كانون الثاني 2015.
لقد كانت الترجمة العربية ترجمة عن ترجمة ووقعت المترجمة في أخطاء شنيعة ما يذكر المرء ثانية بمقال كنفاني الوارد عنوانه سابقا: "القدس بين 3 مصائب..".
وربما احتاجت الأخطاء التي وقعت فيها المترجمة في ترجمتها إلى كتابة مستقلة في مقال خاص، وهي أخطاء تخص أسماء الأماكن وأسماء العائلات الفلسطينية.
هكذا تصبح عائلة أبو هنطش عائلة أبو حنتش وتغدو الطيرة التيرة ولفتا لفتة ولفته و..و..وما شابه.
ولا أبالغ إذا قلت إنني أنفقت أربعة أيام وأنا أبحث في الكتب والموسوعات وغوغل من أجل العثور على النص الأصلي للأغنيتين الشعبيتين.
كل ما عثرت عليه هو سطر واحد وهالني ما لاحظته على ترجمة الترجمة.
يقول المغني الشعبي:
لو وقعت سابع سما
عن أرضنا ما بنرحل.
وترجم الكلام إلى العبرية ثم ترجم عن العبرية إلى العربية فغدا على النحو الآتي:
لو نزلوا من السماء السابعة
لن نتخلى عن أرضنا.
ولا شك أن ثمة فارقا كبيرا في الإيقاع.
أعد الآن محاضرة عن المرحومة الشاعرة فدوى طوقان وعلاقتها بالآخر الإسرائيلي. وقد التفت إلى ترجمة أشعارها إلى العبرية ثم إعادة ترجمة الترجمة ولاحظت أيضا اختلافا كبيرا.
في قصيدتها "إليهم خلف القضبان" نقرأ الأسطر التالية من "من مفكرة هبة":
"قبيل اعتقالي
رسمت حروفا على دفتر
جديد عتيق
رسمت عليه ورودا
روتها دماء العقيق
وكانت بجنبي أمي
تبارك رسمي"
ولما ترجمت إلى العربية من الترجمة العبرية صارت:
"قبل السجن دونت حروفا في كراستي/ رسمت بالدم سوسنا كبيرا/ وأمي التي انثنت علي ورأت ما رسمت باركت هذا الرسم".
وثمة فارق في المعنى والإيقاع أيضا ولفدوى نفسها رأي في ترجمة الشعر.
حقاً لقد انشغلت الأسبوع الماضي أربعة أيام وأنا أبحث في الكتب والموسوعات وغوغل من أجل العثور على النص الأصلي ولم أفلح ولعلني أواصل البحث.
تبدو ترجمة الترجمة أحيانا كثيرة شبه مضحكة.

 

التعليقات


2 . فراس حجزمحمد/
الأحد 24 أيلول 2017 19:52:42

يذكر إن لم تخني الذّاكرة الدكتور سامي الكيلاني أنه تعرف على قصيدة عابرون في كلام عابر من صحيفة عبرية داخل السجن وانه قام بترجمتها إلى العربية ليلاحظ بعد ذلك هو نفسه الفرق بين ترجمة الترجمة والنص الأصلي ألاحظ ذلك أيضا عند من ترجم ما كتب عن ادونيس من الفرنسيين تحديدا واستشهادهم بأشعارها وعند ترجمات المقالات والدراسات يتم ما تتحدث عنه يا دكتور ترجمة الترجمة ولم يعودوا غالبا إلى النص الأصلي

1 . نزار سرطاوي/
الأحد 24 أيلول 2017 12:54:04

من المحزن حقاً أن يقع المترجمون في أخطاء كهذه. عند ترجمة مقالة من الإنكليزية الى العربية تتحدث عن الأدب أو الشعر العربي، وتتضمن نصوصًا نثرية أو شعرية لهذا الأديب أو ذاك، ويقوم بترجمة تلك النصوص فمن الطبيعي جداً أن يقدم لنا نصوصاً مختلفة بدرجة ما - كبيرة أو صغيرة - عن النص الأصلي بلغته العربية. من واجب المترجم في حالةٍ كهذه أن يعود إلى النص العربي ويأخذ به حتى لو كانت ترجمة النص سيئة تبتعد عن المعنى، وبإمكانه الإشارة الى ذلك في الهامش. هذا ينطبق على النصوص المقدسة كالقرأن والعهد القديم والعهد الجديد (الكتاب المقدس لليهود والمسيحيين). فهذا الكتب موجودة باللغة العربية. ونسخ ترجمة القرآن كثيرة جداً ومختلفة في مفرداتها ومعانيها. أما الكتاب المقدس في اللغات الغربية فهو مأخوذ على الأغلب من الترجمات الإغريقية واللاتينية الأولى، في حين أن الأصول هي سريانية أو آرامية (العبرانيون كانوا يستعملون نفس اللغة السائدة بين القبائل أو الشعوب الأخرى التي يساكنونها، ولم يختلفوا عنها إلا باللهجة، تماماً كما تختلف لهجة مدينة عن أخرى في فلسطين أو لهجة المدينة عن القرية والبادية، كما في نطق الكاف والقاف والذال والثاء وسواها. فالسين مثلاً عندهم شين. أما في موضوع الترجمة عن الترجمة بعامة (وليس ترجمة نص إلى العربية رغم أن أصله عربي)، فلي قول آخر. ثمة لغات كثيرة في العالم لا نعرفها ولا يمكننا أن نترجم نصوصها إلا من خلال النص الإنجليزي أو الفرنسي أو الإسباني أو الالماني. فقليل منا من يتقنون اللغات الأفريقية أو الآسيوية الشرقية (الأوردو، الفيتنامية، الصينية، الكورية... إلخ). فهنا نلجأ للترجمة من واحدة من اللغات الأوروبية التي نتقنها. وعلى سبيل المثال فقد قام بترجمة رباعيات الخيام كلياً أو جزئياً الى العربية أكثر من 70 مترجمأ، ومعظمهم لجأوا الى الفرنسية والألمانية والتركية، ومن بينهم الشاعر المصري أحمد رامي. ولا أعرف أحدا ترجمها عن الفارسية سوى الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي. هذا على الرغم من أن الفارسية تستخدم الحروف العربية، والكثير من مفرداتها عربية أو مشتقة من العربية، واللغة الفارسية تكون (أو كانت) احياناً من متطلبات تخصص اللغة العربية في بعض الجامعات العربية. شكرا للدكتور عادل على هذه الإضاءة اللافتة.


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: