دفاتر الأيام

البدايات، وسحر البدايات

عادل الأسطة

2017-07-02

في دراسته الشعر الفلسطيني منذ بداية الانتداب حتى 1948 يأتي د. إحسان عباس على شعراء تلك الفترة وعلى موقف الدارسين منهم، ويفاضل ويوازن بين الشعراء،  ويلحظ تشابههم في الموضوعات، ويرى أن هذه وحدها لا تكفي للحكم على شاعر بأنه شاعر، وأنه لا بد من الاحتكام إلى الطاقة الشعرية التي تعلن عن نفسها في الجزالة المحكمة أو العذوبة السلسة السائغة وفي القدرة على الابتداع في التصوير، وفي تنويع المبنى الشعري لدى تنوع الموضوعات، وفي المزج بين العاطفة والشعر، واعتمادا على ما سبق فإن من يستحق لقب الشاعر هو ابراهيم طوقان فقط «ويتلوه أبو سلمى، ولكن لا يدانيه «ويرى أن الدارسين اعتادوا أن يقرنوا إلى طوقان وأبي سلمى اسم عبد الرحيم محمود، لا لشعره ومستواه الفني،  وإنما لوطنيته واستشهاده.  (الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد الرابع،  22).
توفي ابراهيم طوقان (1941) واستشهد عبد الرحيم (1948) وواصل الكرمي كتابة الشعر حتى وفاته (1980) ودرس ضمن شعراء النكبة والمنفى، ورأى فيه محمود درويش «الشجرة التي نبتت عليها «اغاني شعراء المقاومة اللاحقين.
واصل شعراء ما قبل 1948 الذين ذكرهم عباس كتابة الشعر وعبروا عن واقعهم الجديد، ولم يتميز منهم شاعر ليشكل ظاهرة لافتة (العدناني والعبوشي والافغاني والبيتجالي و...)، وأخذ شعراء جدد يكتبون، والتفت الدارسون إليهم، وشكل هؤلاء ظاهرة لافتة، ومن هؤلاء فدوى طوقان وتوفيق صايغ.
الأولى لخوضها في موضوعات مختلفة عن بقية شعراء عصرها من الفلسطينيين، والثاني لأنه كتب قصيدة النثر ولأنه ابتعد عن اللهجة الخطابية التي غلبت على شعر شعراء كثر، وأيضا للغته واستعاراته الجديدة المستمدة من حياة المدينة ولكتابته شعرا ذاتيا في زمن الكتابة في الموضوعات الوطنية.
وقد عدته سلمى الخضراء الجيوسي في مقدمة موسوعتها شاعرا متميزا، وسيرى الشاعر أحمد دحبور هذا الرأي وسيعتبر توفيق صايغ شاعره المفضل وسيخصه بمقالات عديدة في زاويته التي كان يكتبها كل يوم أربعاء في جريدة «الحياة الجديدة «.
في منتصف 60 ق 20 اكتشف النقاد شعراء الأرض المحتلة؛ زياد ودرويش والقاسم وآخرين.
ورأى النقاد فيهم شعراء مقاومة وشعراء يشكلون ظاهرة جديدة في الشعر الفلسطيني. وهكذا درسهم غسان كنفاني ويوسف الخطيب واهتما بشعرهم. وبعد هزيمة حزيران ظهرت كوكبة من الشعراء نعتوا بشعراء الثورة، وضاهى بعض هؤلاء شعراء المقاومة،  ومن شعراء الثورة أحمد دحبور وعز الدين المناصرة ومريد البرغوثي ومحمد القيسي.
يتوقف الشاعر زكريا محمد أمام شعراء ما بعد 1967 ويرسم خريطة لمسيرتهم الشعرية؛ بداياتها وتطورها واختلافها. (مجلة الهلال المصرية/ أيار 2017 ص 116 - 118).
ويرى زكريا أن أحمد دحبور في بداياته لم يقل شاعرية عن درويش: «في بداياتهما لم يكن المرء يشعر بتفوق حاد لدرويش. كانا فرسي رهان متعادلين» ولكن الأمر لاحقا اختلف، فالشاعر الذي بدت قصائده الأولى عالما من الدهشة المكتملة الناضجة، أخذت قصائده اللاحقة تفقد دهشته وأخذ «يغرق في الصياغة، وفي اللغة والعروض»، ولم تعد قصائده تصعد، خلافا لقصائد درويش التي واصلت صعودها.
يتساءل زكريا: لم فقد دحبور دهشة بداياته المبكرة أو لِم  لَم  يطورها؟  ويخلص إلى أنه يمكن اختصار دحبور ببدايته. ولا ينتقص زكريا من قيمة أحمد الذي كانت بدايته ونهايته «الهوية: الهوية الجمعية لا الهوية الذاتية» خلافا لشعراء اليوم المهووسين بالهوية الذاتية.
لم تلفت بدايات دحبور أنظار النقاد الفلسطينيين وحسب، فقد التفت إليها نقاد عرب كبار مثل علي جعفر العلاق الذي رأى في دحبور  - يوم التقاه في المربد 1972  شاعرا موهوبا استثنائيا وشاعرا ناضجا نضجا سابقا لأوانه، وشاعرا متواضعا أيضا» ومع أنه لم يتوفر على تحصيل علمي منظم، فإنه أقبل إقبال المولع الشغوف على قراءة الشعر العربي، قديمه وحديثه، ما أتاح لموهبته الشعرية أن تتفتح في وقت مبكر».
ويتوقف العلاق أمام غنائية الشاعر وثراء شعره ثراء وجدانيا لا ينضب، وفوق هذا الارتباط الأصيل بين ذاته المجروحة وعذابه الفلسطيني الشامل». (العرب اللندنية 17/ 4/2017).
الشاعر شوقي بزيع التفت إلى هذا وهو يكتب عن ديوان دحبور «كشيء لا لزوم له»  (الأيام الفلسطينية 28/6/2005).
ركز بزيع على بدايات الشاعر وغنائيته وعدم لجوئه يومها إلى «التعمية والتعقيد اللفظي» لأنه استعاض عنهما «بالوضوح الذي لا ينقصه العمق، وبالبساطة التي تساعدها صور واستعارات وكنايات كثيرة على النجاة من السطحية».
ويرى بزيع أن نهايات الشاعر خالفت بداياته وفسر هذا بأن الفوران التعبيري والعاطفة المتدفقة «ما لبثا أن أخليا مكانهما للمهارة الفنية والحرفية العالية والاشتغال على الأوزان».
أحمد دحبور نفسه يقسم تجربته إلى أربع مراحل تتقارب آراؤه في تقسيمه وما قاله النقاد ولكنه يضيف إلى ما رأوه أن بداياته في ديوانه الأول وبعض قصائد ديوانه الثاني كانت ذهنية وأن مرحلته الشعرية الأخيرة بدت مشبعة بالأسئلة. (ينظر: مجلة الدراسات الفلسطينية، ربيع 2015، ص 159).
أحيانا أقول: بعض الشعراء يختصرون في بداياتهم. أحيانا وأتذكر (رامبو) الشاعر الفرنسي، وفي حالة أحمد دحبور أضيف إلى المرحلة الثانية قصائده التي كتبها بعد عودته إلى الجزء المتاح له من فلسطين، بخاصة القصائد التي كتبها عن تجربة اللقاء بالأرض الفلسطينية ومدنها: حيفا والناصرة.

التعليقات


3 . خضر شعبان : غزة /
الأحد 11 آذار 2018 12:48:02

لماذا لا يكتب عادل أسطة المدرس في جامعة النجاح عن شعراء المقاومة 0 محمود درويش-عزالدين المناصرة - سميح القاسم - معين بسيسو ..وغيرهم.بدلا من الترويج لشعراء ( أوسلو - السلطة)... احمد دحبور بدأ شاعرا مقاوما لكنه انتهى نهاية مؤسفة.... وكان الشهيد القائد ماجد أبو شرار مسؤول اعلام حركة فتح في الستينات في الأردن قد أكد أن دحبور لا يقول الحقيقة حين يدعي أنه يعرف الغور الأردني و من غي الصحيح أنه كان مراسلا عسكريا في الغور فهو لا يعرف الغور أصلا- نقلا عن مقال للصافي الفلسطيني راسم المدهون ( جريدة المستقبل اللبنانية -9-10-2005- ملحق نوافذ ) .

2 . خليل ناصيف /
الإثنين 03 تموز 2017 09:27:40

البدايات غالبا ما تكون جميلة لانها أصدق وأكثر عنفوانا وأقل تلوثا وفي حالة شعراء الثورة كان بداياتهم جميا اجمل لانهم كانوا في بداياتهم انقى واكثر عطشا مقال مميز للدكتور عادل

1 . يونس عطاري/
الأحد 02 تموز 2017 16:22:51

يفوت كل من كتب عن شعراء فلسطين الشاعر الكبير فواز عيد و هذا امر يعود لبنية البيئة الفلسطينية الثقافية حيث فواز عيد لم يكن طفلا مدللا لاي من تلك التنظيمات الهرمة الفاشلة التي سوقت كثيرين من شعراء مناضلين ليس اكثر فواز عيد من موالديد سمخ / فلسطين / و ديوانه الاول صدر 1963 في السنة التي ولدت فيها المؤسف حقا ان كل من كتب عن شعراء فلسطين يتجاهلون شاعرا كبيرا جدا ان فواز عيد ليس بحاجتكم ايها الجهلة و المنتفعين يونس عطاري


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: