نقطة ضوء

ما هو أبعد وأعقد من تنورة قصيرة..!!

حسن خضر

2016-06-28

أشعلت "تنورة" قصيرة في نابلس حرباً صغيرة، واستدعت تدخّل الشرطة، وأسفرت عن "تكسير" سيارة.
وقعت الحادثة المعنية يوم الجمعة الماضي، وتصادف أن صاحبة التنورة فلسطينية من الـ "48"، أو "الخط الأخضر"، أو "إسرائيل"، أو "عرب إسرائيل"، أي الناس الذين تمكنوا من البقاء في بلادهم، داخل حدود الدولة الإسرائيلية بعد العام 1948.
والواقع أنه بمجرد وجود كل هذه التسميات ما يدل على مشكلة في التعريف. في اللغة الرسمية الإسرائيلية يُطلق على هؤلاء "الوسط العربي"، "الأقلية العربية"، "عرب إسرائيل". ويوصفون في الأدبيات اليسارية الإسرائيلية "بالفلسطينيين في إسرائيل". ويُقسم هؤلاء، في اللغة الرسمية، أيضاً، إلى مسلمين، ومسيحيين، وبدو، ودروز. ويُعامل الدروز باعتبارهم قومية خاصة.
ولنلاحظ أن لكل تسمية تاريخها الخاص، ودلالتها الأيديولوجية والسياسية. ولا يبدو أن ثمة أقلية قومية، في الكون، عانت وتعاني هذا القدر من التباس الأسماء، والتسميات، وتشظي الهويات، بقدر هؤلاء، لسبب بسيط مفاده هو أن الهوية لا تتجلى إلا بالغيرية، فأنت لست أنت بقدر ما تريد، بل بقدر ما يُسهم الآخرون في تعريف ما ومَنْ تكون، في قوانين، وصور نمطية، وشفرات سلوكية سائدة في ثقافة الأغلبية، منها ما تُذوّته الهوية، وما تنقضه، وفي الحالتين يُسهم فاعل من خارجها في تعريف ما ومَنْ وما ينبغي أن تكون.
وقد كان هؤلاء ضحايا التاريخ والجغرافيا، معاً، وعلى الجلد المتشقق لهوية قلقة، في الزمان والمكان، نقرأ ما تفعل الكولونيالية بضحاياها. ومع ذلك، وبقدر ما أرى، فهؤلاء أجمل ما فينا، وأكثر الأغصان اخضراراً على شجرة شعبنا. فالهويات، ككل شيء آخر، تغتني بقدر ما تتعدّد، وبقدر ما يتكاثر فيها من ألوان الطيف. ولم يكن من قبيل الصدفة، أيضاً، أن يُنجب هؤلاء أفضل ما فينا، في الأدب، والموسيقى، والنحت، والرسم، والتمثيل، والأكاديميا، والوطنية الصافية أيضاً.
لذلك، عندما تُشعل تنورة قصيرة حرباً صغيرة، ويجد فيها البعض، على الـ"فيسبوك" (ديوان العرب الجديد) مناسبة للنيل من هؤلاء، لأنهم جاؤوا من "هناك"، وعندما نجد أن عدد الغاضبات من التنورة أعلى من الغاضبين، فلنفكر في "هاملت" وما قاله مارسيلوس لهوراتيو: "ثمة عفن في دولة الدنمارك"، طالما أن الغيرية، حتى إزاء هؤلاء، أصبحت بضاعة تُضاف إلى ذكورة جريحة، تعاني من هوس الإخصاء، وأن أنوثة ملتبسة تشرّبت وذوّتت كراهية الأنوثة، ففي هذه وتلك كلمة السر وراء قناع ما تستدعي "الأخلاق" من غضب، وما تُبيح "الوطنية" أو تمنع من مأكل وملبس وشراب.
ولا معنى، في الواقع، للتعليق على أمر كهذا، ما لم يكن جزءاً من الصراع على مبنى ومعنى هوية فلسطين والفلسطينيين. في سياق كهذا، فقط، تحتل "التنورة" القصيرة، وحربها الصغيرة، مكانة هامشية، لتصبح مجرد وسيلة إيضاح في سجال طويل وممتد، يتجلى يومياً في ملايين التفاصيل، ويفشل في احتلال المتن، باعتباره المفتاح وكلمة السر.
لم نكن، دائماً، كما نحن عليه الآن. هذا، على الأقل، ما حاول غازي الخليلي التدليل عليه عندما نشر على الـ"فيسبوك"، قبل أيام، صورة لنساء سافرات، وتنانير قصيرة في نابلس تعود إلى العام 1962. والواقع أن الحنين البصري إلى الماضي يتجلى في صور كثيرة لبنات المدارس، وسيدات المجتمع، وطالبات الجامعة (أيام زمان) يتداولها الناس، هذه الأيام.
ولا يقتصر الأمر على بلادنا، ففي مصر، والعراق، وسورية، ولبنان، يتداول الناس شواهد كهذه. ولا نرى في حنين كهذا سوى إسهام في سجال ممتد. كان ماضي الفلسطينيين والعرب أفضل بكثير من حاضرهم.
وإذا شئنا الكلام في "الوطنية"، وعنها، والاستعانة بها للتدليل على أمر ما، فلنقل إن رجاء أبو عماشة، وشادية أبو غزالة، ودلال المغربي، وليلى خالد (التي ما تزال بيننا) ولكل منهن مكانة أيقونية في ضمير شعبها، كن من جيل يستنفر، الآن، كل هذا القدر من الحنين. فذلك الجيل من النساء عاش في زمن صعود هوية جديدة، كان من تجلياتها، وأسهم في اجتراح وإغناء هويته وهوية شعبه. ولم يكن ليخطر على بال امرأة في ذلك الزمن أن تكون ضد فكرة الأنوثة نفسها، أو أن تجترح هوية بالغيرية والمغايرة، ومقابل مَنْ؟ الباقيات من بنات شعبها هناك.
وإذا شاء الفلسطينيون ابتكار صورة مجازية لهويتهم الحقيقية فلن يعثروا على مثال أفضل من أثوابهم التقليدية، الأصلية والأصيلة، التي عمّرت آلاف السنين، فيها الكثير من التعددية اللونية والأسلوبية، بقدر ما فيها من علاقة سوية بالطبيعة واعتراف بالجسد. أما هوية المغايرة المُفتعلة، الواردة والمُستوردة من الصحراء، فتتجلى في الجلباب الأسود، المعادي لكل تعددية لونية، أو علاقة سوية بالطبيعة أو الجسد.
وعلى جانب آخر، فلنفكّر في حقيقة أن كراهية التعددية اللونية، والأسلوبية، واختزال العالم في لون أسود، أو واحد ووحيد، يمثّل محاولة لشطب تعددية الهوية نفسها، سواء أكانت هوية الأنوثة والذكورة أو هوية الإنسان والأوطان. وفي أمر كهذا يتجلى تلازم صعود الأصولية مع ديناميات الطائفية والتشظي والتطييف، التي لا ينجو منها بشر أو حجر. فإذا لم نجد مَنْ نُسقط عليه أنوثة ملتبسة، وذكورة جريحة، نُفتّش عنه في تنورة قصيرة، ونجد ما يُبرره في "حقيقة" أن صاحبتها من "هناك". ثمة، ما هو أبعد، وأعقد، من تنورة قصيرة. ولنقل، أيضاً: أهل "هناك" هم الأجمل بيننا.

التعليقات


5 . بدو تلسمان/
الأربعاء 29 حزيران 2016 20:46:28

بوركت

4 . أبو غسان/
الثلاثاء 28 حزيران 2016 23:34:27

أحسنت....... تناول عميق لظاهرة ليست بالبسيطة.... إنها ظاهرة صراع الاقصاء مقابل التنوع والتعدد.. الدكتاتورية مقابل الحرية... الصحراء مقابل الخضرا....

3 . رئيفه شبلاق/
الثلاثاء 28 حزيران 2016 14:11:36

أضيف لتعليقي السابق ، أنني أتذكر تلك الفترة عندما كنا نرى طالبة تضع على رأسها الإيشارب الصغير فكان هذا الإيشار غير العادي يدل على أن الطالبة قادمة من القرى المجاورة . وأتذكر أن ملابس الفلاحات في القرية بثيابهن التي أشرت أنت إليها ، والمناديل الشفافة ذات الألوان الزاهية التي كانت تغطي الشعر من الخلف ، بينما تكشف من الأمام عن نصف الراس ، والشعر المزين بالدبابيس أشكال ألوان . كان هذا قبل أن نشهد التحول الكبير ، والنزول إلى الأسفل ، إلى قاع الظلام الذي نعيشه الآن .

2 . دنيس اسعد/
الثلاثاء 28 حزيران 2016 14:05:33

مقال دفاعي جيد عن "هؤلاء" والذي كنت افضل ان يكون عنا .لاني فلسطينية اولا واخير ولا احتمل اي من التسميات الاخرى .فحتى كاتب المقال مع كل توجهه الواع الناقد يقع من خلال دفاعه بنفس مطب تصنيف هويتنا حسب مكان وجودنا.

1 . رئيفه شبلاق/
الثلاثاء 28 حزيران 2016 13:38:07

تحية أستاذ حسن . شكرا على هذا المقال المضيء وسط العتمة الداكنة المحيطة بنا . أنا من جيل يتذكر سنوان الستينات ، التنورة الميني جوب ، والشعر المفتوح للهواء والشمس ، والعقول المنفتحة على حب الإستطلاع ، وإلإنفتاح ، وتقبل الحياة ، والتعدد ، والألوان ، ومن جيل شهد التحول نحو الظلام الدامس الذي نعيشه الآن .


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: