مساحة للحوار

واقع فلسطيني مأزوم.. ما العمل؟

فيحاء عبد الهادي

2016-06-26


إذا كان هناك إجماع على ضرورة الخروج من الواقع الراهن الذي تمرّ به القضية الفلسطينية، وإجماع على ضرورة إنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني، بين مكوِّنات الطيف السياسي الفلسطيني، ومكوِّنات المجتمع المدني الفلسطيني؛ فما الذي يجعل الواقع الفلسطيني يزداد قتامة يوماً بعد يوم؟ وكيف يمكن أن نفتح الطريق للخروج من هذا الواقع بجرأة ومسؤولية؟ وبأي وسائل؟ وما هي الأدوات المطلوبة؟ ما هي الحلقة الرئيسة التي تضمن الخروج من الطريق المسدود؟ هل نبدأ بإنهاء الانقسام بأي ثمن كما تردِّد بعض القيادات الفلسطينية من طرفي الانقسام أم نبدأ بمراجعة التجربة الفلسطينية، بنجاحاتها وإخفاقاتها، من أجل بلورة مشروع وطني تحرري فلسطيني، قادر على هزيمة المشروع الصهيوني العنصري؟ 
تمَّ نقاش العديد من الأسئلة التي يثيرها الواقع السياسي الراهن؛ المخنوق، والمتخبط، والمأزوم، من خلال سلسلة حلقات نقاش: "ما العمل"، التي ينظِّمها المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية (مسارات)، في فلسطين، والتي يستضيف ضمن حلقاتها قيادات فلسطينية لها مكانتها وفعلها على صعيد الفصائل الفلسطينية، أو المجتمع المدني، ومن مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، بمشاركة عشرات الشخصيات السياسية والأكاديمية والناشطة، في مديني البيرة وغزة، عبر نظام الفيديو كونفرنس.
*****
تسنَّى لي حضور ثلاثة لقاءات من ستة لقاءات نظمها مركز "مسارات"، في مقره في البيرة، منذ كانون الثاني حتى نهاية حزيران، ولمست من خلالها أهمية النقاش حول المأزق الراهن، وأهمية توسيعه ليشمل فئات اجتماعية متنوِّعة، عبر منابر متعددة؛ كي نساهم جميعاً، نساء ورجالاً، في طرح الأسئلة التي تؤرِّقنا، وفي محاولة الإجابة عن الأسئلة الملحة والمتشابكة، التي يطرحها الواقع السياسي الفلسطيني المعقَّد والمأزوم.
لفت نظري غياب النساء، ضمن ضيوف اللقاءات الستة؛ رغم وجودهن الفاعل ضمن الحضور؟! وربما كانت خطة استضافة بعض القياديات الفلسطينيات مدرجة ضمن خطة المركز؛ إلاّ أن الملاحظة استدعت قضية يجدر نقاشها، تتعلق بما طرحه ضيف من ضيفي حلقة النقاش، خلال ندوة 30 نيسان 2016، التي ناقشت المدخل القادر على فتح الطريق للخروج من الواقع المأزوم، والوسائل والأدوات المطلوبة لإحداث التغيير، حين أكَّد أولوية إنهاء الانقسام، وتأجيل طرح القضايا الاجتماعية الفلسطينية: "إنهاء الانقسام أولًا عبر البدء بتنفيذ اتفاقات المصالحة (تشكيل حكومة وحدة وطنية)، وتأجيل البحث في البرامج السياسية والاجتماعية إلى ما بعد ذلك، بما في ذلك بلورة الأهداف الوطنية وإعادة صياغة منظمة التحرير والإستراتيجية الوطنية وأشكال النضال".
*****
أعتقد أن تأجيل البحث في البرامج السياسية والاجتماعية، تحت حجة أولوية السياسي مرَّة، وتحت حجة أن "طرح الأسئلة ذات العلاقة بالبرامج السياسية والاجتماعية يعمِّق الخلاف بين حركتي فتح وحماس"؛ أحد أسباب الداء وليس الدواء؛ إذ هل يمكن بلورة الأهداف الوطنية، وإعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، دون الاتفاق على البرنامج السياسي ودون أن تكون القضايا الاجتماعية، في صلب عملية التغيير؟! وهل يمكن أن يتمّ حشد الجمهور الواسع، للانخراط في معركة التحرر الوطني؛ دون الالتفات إلى البرامج الاجتماعية التي تمسّ احتياجات الإنسان الفلسطيني، وتؤمِّن له فرص العمل المناسبة، التي تساعده على الصمود - دون تمييز فصائلي أو عائلي- وتستنهض المجتمع كله لا نصفه؟!
أما إنهاء الانقسام، فقد تبيَّن بالملموس أنه من الصعب أن يتحقق بشكل يضمن له الاستمرار؛ دون الاتفاق على البرنامج السياسي والبرنامج الاجتماعي - الذي يشكّل قاسماً مشتركاً، ليس بين حركتي فتح وحماس فحسب؛ بل بين مكوِّنات الطيف السياسي كافَّة.
*****
هل يؤدي الوضع الاقتصادي المتردي للإنسان الفلسطيني إلى الانغماس في الحياة السياسية، أم يؤدي إلى الانعزال عنها، للانشغال بتأمين لقمة العيش؟ وهل تستطيع المرأة التي تعاني القهر والظلم العائلي والمجتمعي، وتحرم من حرية اختيار الدراسة، وشريك الحياة، والخروج الحرِّ من منزلها؛ أن تشارك في تحرير الوطن؟ وباختصار: هل يؤثر الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والثقافية سلباً على المشاركة السياسية؟ أم يؤثر إيجاباً؟
أعتقد أن معظمنا لمس أثر طرح القضايا الاجتماعية، التي تمسّ حياة الإنسان اليومية، من محاربة الفقر، والغلاء، وارتفاع أسعار المحروقات، والبطالة، والتمييز، والمحسوبية، والفساد، وغياب سيادة القانون، في الالتفاف الجماهيري الواسع، والضاغط لتحقيق المطالب العادلة المنصفة، وفي ربط المطالب الاجتماعية بحرية الوطن. شهدنا التفاف عشرات ألوف المتظاهرين/ات، في مسيرات حاشدة، هدفت إلى تحقيق مطالب المعلمين، والانتصار لقانون ضمان اجتماعي منصف وعادل.
في مسيرة جماهيرية حاشدة، دعا إليها حراك المعلمين الفلسطينيين، يوم 22 آذار، بعد مسيرات مطلبية عديدة، دعت إلى إنصاف المعلمين/ات؛ رفع المشاركون/ات شعارات ربطت بشكل وثيق بين السياسة والقضايا الاجتماعية، في فهم عميق للعلاقة الجدلية التي تربط بينها.
تصدَّر شعار الكرامة الشعارات المطلبية، التي رفعها المعلمون/ات في حراكهم، في وعي عميق بأن تحرير الوطن يحتاج إنساناً يعيش عيشة كريمة، ويعبِّر عن آرائه بحرِّية، ويعتمد الحوار والمشاركة أسلوباً، ليكون شريكاً في الوطن: "كرامة المعلم من كرامة الوطن"، "لا صلاح للأمة إلاّ بصلاح حال المعلم".
أما مسيرات الضمان الاجتماعي؛ فتصدَّرها شعار رئيس: "العدالة الاجتماعية طريقنا للحرية". 
ولا شكَّ أن شعاري الكرامة والعدالة الاجتماعية؛ شعاران اجتماعيان وسياسيان بامتياز، يربطان بين النضال الوطني، والنضال الاجتماعي؛ بطريقة خلاقة ومبدعة.
*****
يتبيَّن من خلال دراسة تجارب الشعب الفلسطيني، الذي عانى طويلاً من الاستعمار، والاحتلال، والشرذمة؛ أن لا بديل عن ربط السياسي [إنجاز مهمة التحرر الوطني]، والاجتماعي [النضال الطبقي والنوع الاجتماعي]، من أجل تحقيق الوحدة الوطنية القادرة على الثبات والاستمرار؛ للخروج من الواقع الفلسطيني الراهن المأزوم، ولبلورة مشروع وطني تحرري، قادر على مواجهة المشروع الصهيوني العنصري، وقادر على الانتصار.

faihaab@gmail.com
www.faihaab.com

التعليقات


3 . زهيرة كمال/
الأربعاء 29 حزيران 2016 13:38:50

عزيزتي فيحاء، تحياتي الحارة لك، لامست في مقالتك أحد أهم قضايا العمل السياسيوهي ربط النضال الوطني بالنضال الاجتماعي، باعتبار ذلك اساسي للعقد الاجتماعي بين المواطن والحكومة، ايا كانت هذه الحكومة، وفي مقدمة ذلك الحرية (الفردية والجماعية) والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية. وهذا ما يضمن الاستقرار وتداول السلطة. أما بخصوص انهاء الانقسام فقد فقد الكثير من الناس ثقتهم بإمكانية تحقيق ذلك حيث أن طرفي الانقسام مرتاحين لهذا الوضع، والمواطن الغلبان صار على رأي المثل بمشي الحيط الحيط وبقول يارب الستر! والأحزاب الأخرى أعفت نفسها لفترة من لعب دور أساسي في فرض إنهاء الانقسام، باعتبار أن استمراره مضر بالقضية الوطنية، وتحميل مسؤولية استمراره لمن لا ينصاع الى القرار الوطني المطالب بالوحدة الوطنية. وكما تعرفين ويعرف الجميع كان هناك مباردرات جميلة وخلاقة لإنهاء الانقسام، إلا أنها لم تتابع بجدية وعليه انتهت دون تحقيق نتائج ملموسة. الآن هناك مبادرة وطنيون لإنهاء الانقسام، وهي مبادرة جيدة ولكن إذا لم يتابع الوضع بعد عقد المؤتمر ستكون المبادرة كسابقاتها. ما نحتاجه هو حركة جدية لا تنتهي إلا بانتهائه. ومع ذلك فالنقاش في القضايا الاجتماعية الاقتصادية هي أمر ضروري وليست مرتبطة بإنهاء الانقسام. زهيرة كمال

2 . محمد الأسمر/
الأربعاء 29 حزيران 2016 10:54:55

أساس المسألة أن هناك نقص في الانتماء للوطن وتفضيل الخاص على العام. هذا لدى القيادات العليا وينعكس على كثير من القيادات اللاحقة والميدانية وممكن أن نسميها المنتفعة لدى أطراف "الصراع" الاستثماري والمصلحي. كما وأن وضع القضية والمصلحة الوطنية ليس من أولويات العمل وانما غطاء لتمرير أجندات خارجية يقوم بتنفيذها أطراف على حساب القضية. إعادة تقييم التجربة والحالة الفلسطينية ضروري لكن من قِبَلْ أطراف او اشخاص محايدين أو وطنيين ديمقراطيين غير منتفعين فلسطينيين ومَحْوَرة نتائج التقييم نحو بلورة تجمّع يستطيع القيام بعملية التغيير والضغط على أطراف "النزاع" ومقتسمي كعكة الوطن وديكتاتوريي الاستثمار السياسي الفلسطيني. الحالة الفلسطينية تستدعي البدء بالتغيير. الحال الفلسطيني الشعبي وصل لمرحلة الانحطاط الشعوري الوطني وقد أوصلت هذه الأطراف شعبنا للبحث عن لقمة العيش كأولوية ولكن هذه الأولوية يمارسها الناس بالاستجداء وليس بالانغماس بالبحث عن وسائل ناجعة والبحث عن اسبابها. هذا يدل على عجز القيادات والاحزاب السياسية قيادة هموم ومطالب الجماهير وحملها والدفاع عنها. اصبح للقيادات كافة مهمة اساسية الا وهي كيفية المحافظة على المكتسبات التي وصلتهم دونما النظر بنتائج نظرتهم السوداوية. بخصوص المنظمة أشعر بأنها اصبحت من التاريخ. هي الرجل المريض والعاجز ولا أمل في ترميمها او اعادة احيائها حتى بصياغة برنامج سياسي وطني شامل ستبقى عالةً على واقعنا. اقول ذلك بسبب طبيعة مكونات المنظمة والتمثيل بها بعيدا عمّن هم خارجها بخاصة من المستقلين والديمقراطيين والمفكرين والحريصين. يجب البحث فعلا عن عناصر القوة لدى شعبنا ووضع مصير القضية الوطنية ضمن اولويات كل شيء وترك المصالح الضيقة جانبا لأن مصلحة اي فرد او مجموعة لا تتأتى الا من خلال العام. لكن المعضلة هي الاجندات وليس هناك خلاف جوهري بين الاطراف على كيفية طرح البرامج والشعارات وغيرها، كلهم يطرحون نفس الشيء والمزاودات. الخلاف مصلحي مغطى بسياسات خارجية تطيح بمسألة الانتماء الخالص. يجب وضع مقترح لبرنامج وطني شامل واعادة التقييم والبحث عن وسائل نضالية تخدم هموم المجتمع المحلي اجتماعيا واقتصاديا ومن ثم سياسيا. يجب الانتباه لمسألة الخلط بواقع الحالة الفلسطينية، لا زلنا بمرحلة التحرر الوطني وبأن السلطة إن لم تأخذ دور المرحلة الانتقالية نحو الدولة بالفعل ستصبح كما روابط القرى لا بل أسوأ منها لأن السلطة روابط مشرعنة. دراسة الاهداف الصهيونية وجذورها وتاريخها مهم، وهنا يجب ان يعي كل طرف فلسطيني أنه سيبقى مؤقتا ويجب ان يترك بصمة يسجلها التاريخ له لتكون معلما للاجيال القادمة. لهذا اقول بأنه من الضروري إعادة تأريخ ما أغفله المؤرخون لا وبل كتابة التاريخ على عِلاته كما هو وليس عملية تلميع وكتابة تاريخ لمن ليس لهم تاريخ وتزوير الحقيقة ويصبح تاريخنا لاحقا من اساطير الاولين. واعتقد للحديث بقية مع التحية

1 . خالد/
الثلاثاء 28 حزيران 2016 10:54:02

مما لا شك فيه أن القضية الفلسطينية تعيش في مأزق بالغ الصعوبة. حاليا لا يوجد عمليا سوى خيارين: خيار أسلو، وهو في اعتقادي سيء للغاية لأنه يعترف ضمنا بإسرائيل دولة يهودية، ويتنازل ضمنا عن حق العودة، ولحس حظ الشعب الفلسطيني أن الطرف الآخر لا يقبل به. الخيار الآخر هو خيار حماس، وهو استمرار المقاومة المسلحة لدحر المشروع الصهيوني، وهو في اعتقادي غير قابل للتحقيق، بل إن استمرار هذا النهج قد يجلب المزيد من الكوارث على الشعب الفلسطيني. كثيرا ما نسمع في الأوساط الفلسطينية عن ضرورة المصالحة بين حماس والفتح. ليس المطلوب هو المصالحة، فمن الصحي جدا أن تكون هناك رؤى مختلفة تجاه القضية الفلسطينية وكافة الأمور السياسية والاجتماعية. تعدد الرؤى هو إغناء للحياة الفكرية للشعب الفلسطيني، لكن المطلوب هو أن يكون وعي عميق لدى كل الأطراف أن الصراع المسلح مرفوض مهما كانت المبررات له. وفي اعتقادي أن أسواء كلمتين على الساحة العربية هما التخوين والتكفير. فتحت ستار هاتين الكلمتين يتم تحليل دم الطرف المختلف. لكن أعتقد أن هناك خيار ثالث هو الخيار السلمي، والذي يتضمن إنشاء دولة علمانية في فلسطين للجميع بغض النظر عن ديانتهم. هذا الخيار يتطلب منا الكف عن اعتبار اليهود قوم أشرار، فهم جاؤوا إلى فلسطين هربا من الإبادة في أوروبا، واستغلتهم بريطانيا أولا ثم أمريكا لاحقا لتتولى حماية المصالح الغربية في منطقة الشرق الأوسط، أي أعتقد أن اليهود هم مستغلين من قبل الغرب تماما مثلما حاول الفرنسيين استغلال الموارنة واستغلال العلويين لإقامة دويلات تعيش في خوف من المحيط العربي الإسلامي وبالتالي تكون لهم حليفا طبيعيا. الدولة العلمانية هو المستقبل في عالمنا العربي. الدولة الدينية أو القومية معناها استمرار الفتن الطائفية والحروب بين المكونات الأثنية والدينية في عالمنا العربي. هناك حقيقة يجب ألا تغيب عن بالنا، وهو أن نصف اليهود في إسرائيل هم من العرب، وهناك ربما ربع السكان من العرب المسلمين والمسيحيين، أي إسرائيل الحالية معظمها عرب. أعتقد أن هذا الحل يمكن أن يكون مغريا للفريقين. أولا القوى العلمانية تتزايد في المجتمع الفلسطيني والمجتمعات العربية الأخرى بسبب ما نراه من صراعات على أسس مذهبية وطائفية. ثانيا القوى العلمانية في إسرائيل قوية، وهي تريد السلام، ومن مصلحتها الدولة العلمانية الواحدة في كل فلسطين، لأن الخيار الآخر أمامهم هو التحول إلى دولة يهودية متعصبة لن يكون بإمكانهم العيش فيها. من الأهمية بمكان أن نذكر أن هناك حركة شعبية في البلاد الغربية تدافع عن حق الشعب الفلسطيني في العودة، وبالتالي الخيار الثالث قابل للتحقيق، من خلال الضغط العالمي والرأي العام في فلسطين وإسرائيل تماما كما حدث في جنوب إفريقيا. أخيرا أشكرك فيحاء على إتاحة المجال للجميع لإبداء رأيهم.


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: