دفاتر الأيام

حكاياتنا الناقصة

زياد خدّاش

2016-06-07

في كل زيارة لي لبلد عربي، ألتقي بهم مصادفة، ما أن أنهي مشاركتي في أمسية، وأنزل عن المنصة وأجلس، حتى أشعر بوجه يقف من الخلف على كتفي: «مرحبا أستاز، أنا تونسي من سوسة حاربت مع (الجبهة الشعبية) في بيروت. مرحبا أستاز، أنا عراقي من الناصرية، كنت أشتغل بصحافة (فتح) في بيروت. مرحبا أستاز، أنا ليبي كنت أقاتل مع (الديمقراطية) في الجنوب اللبناني. مرحبا أستاذ، أنا بحريني كنت بشتغل في صحيفة فتح الانتفاضة». ثم ينسحبون إلى مقاعدهم، وحين أدير ظهري مصادفة، لأراهم وأتعرف على وجوههم، أستطيع بسهولة أن أميزهم، إنهم أولئك النحيلون، القاعدون في آخر الصفوف، شائبو الشعر، زائغو العيون، فأعطيهم من عيوني المرتبكة تحية، فيهزّون رؤوسهم، فأشعر بحرج غامض. ثمة شيء يجب أن أفعله لهم، ثمة دين يجب أن أسدده لهم، غامض هو الشعور، لكنه ملح وضاغط. في الاستراحات بين الأمسيات، أبحث عنهم، وأراهم يبحثون عني، أجلس معهم، طويلاً جدا أجلس، أعرفهم أكثر وأتألم من أجلهم أكثر، وأحاول أن أشرح لهم عن قوة حضورهم في الذاكرة الوطنية الفلسطينية، وعن فخر الشعب الفلسطيني بهم، وأحاول أن أعبّر لهم عن تقصيرنا، كسفارات فلسطينية في الخارج، عن الاهتمام بهم، وتكريمهم وعمل لقاءات معهم، لجمع وكتابة ذاكرتهم النضالية.
ثمة حكايات ناقصة دوماً في رواياتنا عن كفاحنا الفلسطيني، فثمة ثغرات واضحة لأبطال بعيدين، أبعدتهم عنا، كما يزعم بعضهم، انشغالات الفلسطيني، بكفاحه وموته ومعاناته، لكن ذلك ربما يكون سبباً غير مقنع، لأن هذا الموضوع يقع في صلب الانشغال في الشأن الوطني، فلا تتحرر شعوبٌ لا تكتمل روايتها عن نفسها، ولا ينتصر شعبٌ لا يكتب حاضره بأمانة قاسية، ويتأمل يومياته بحرص دقيق، بكل التفاصيل المشينة والبهية، العظيمة والمخجلة، تلك هي عادات أمم الأرض التي ترغب في العيش في المستقبل. على الأجيال الفلسطينية الجديدة أن تعرف متى غامرنا سياسياً، واقتحمنا عسكرياً، من دون أن يكون هناك مبرر عسكري أو سياسي، ومتى متنا بشكل مجاني، واستغلنا الآخرون، متى اقتربنا أكثر من اللازم من تلك الدولة، وابتعدنا أكثر من اللازم من دولة ما، أو متى كنا مقصرين وجبناء في شأن وطني معين، ومتى خسرنا أكثر من اللازم، بسبب ضيق أفقنا السياسي، ومتى كنا حكماء في لحظة سياسية محددة، وحمقى في لحظة أخرى.
تحتاج تجارب الأخوة العرب الذين قاتلوا في صفوف فصائل منظمة التحرير اهتماماً خاصاً. لا يحتاج الموضوع إلى تفكير عميق وقرار من أعلى المستويات. في وسع كل مستشار ثقافي فلسطيني اعتاد أن يجلس مسترخياً مع الفراغ، طوال ساعات الدوام في سفارات العالم العربي، بدء الاتصال بأرقام هواتف المقاتلين العرب، للبدء بالموضوع، سيكون على المستشار الثقافي أن يكون صاحب صوت ذكي وأليف ومطمئن وحنون، ينعش في المقاتل العربي ذاكرته القتالية الإنسانية المليئة بالمواقف والأصدقاء والمفارقات والمعلومات والدروس والجغرافيا.
الموضوع إنساني وطني، يتطلب قدراً ساخنا من الحنين، وحباً لفلسطين مبالغاً فيه، وقناعة صلبة بضرورة ملء الناقص في روايتنا القتالية والسياسية والإنسانية في بيروت، وأهم من ذلك كله تجربة شخصية في القتال مع المقاتلين العرب أو معرفتهم عن قرب. سيكون هناك عمل كثير ودموع كثيرة، والأهم من الدموع والعمل، ستكون هناك مخاوف كثيرة من أن تغيب الروح النقدية عن هذه التأملات، وأن تكتسب هذه اليوميات صبغات عاطفية وإنشائية. هنا علينا التنبيه إلى أهمية الصدق والنزاهة واللغة العارية الحادة والمبضعية التي تبحث عن الحقيقة، حتى لو كانت متلبسة لبوس الفضيحة، فلا درس نستفيده، من دون مبضع نتحسّس به عفننا، وسكين نقص به لحمنا الخرب، ويد عنيدة ومجنونة تقبض على دود الدم قبل فراشات الروح.
 

التعليقات


2 . اياد شماسنة /
الأحد 12 حزيران 2016 13:12:01

تحية طيبة استاذ زياد خداش ما تقدمت به بالغ الاهمية وهو جزء هام مما يجب ان نفعله لانقاذ روايتنا الفلسطينية ، لكن المشكلة تكملة في البعد الدبلوماسي الثقافي، هؤلاء المستشارون سياسيون ، لا مهنية ولا ثقافة، يعينهم معالي وزير الخارجية ولا تشرف الثقافة على اعمالهم، الحل الاول باعتماد كفاءات مثقفة ولها اجندة عمل، ولها وصف وظيفي ومهمات واضحة ، ذلك يأتي بقرار سياسي، وتدخل من معالي وزير الثقافة ، يجب ان يكون لوزارة الثقافة دور في الموضوع، كما انك تعلم ان الميزيانية المخصصة للشان الثقافي في السفارات او في وزارة الثقافة ذاتها بائسة اكثر مما يمكن ذكره، لذلك سيبقى الموضوع حبرا على ورق ، واسى في القلوب الى ان يتم اتخاذ قرار هام على المستوى المطلوب.

1 . saad/
الخميس 09 حزيران 2016 10:21:01

شكرا ايها العزيز لقد انصفتنا كلماتك


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: