مثلث إلياس خوري: المقاومة والفكر القومي والواقع

2015-10-27


ترجمة: صالح الرزوق *

شهدت سنوات الحرب الأهلية الطويلة تخريب لبنان، الأمة- الدولة، التي ظهرت للوجود في 1943 من رماد السباق الأوروبي على الأرض في الشرق الأوسط والاستعمار الفرنسي لما يعرف اليوم باسم لبنان، وبالأخص شهدت التفكك السريع لبيروت، التي كانت عاصمة نموذجية «حديثة» في العالم العربي التي تحولت «من سويسرا الشرق إلى هونغ كونغ إلى سايغون إلى كالكوتا إلى سريلانكا».
وقد حول الحلم اليوتوبي المرتبط بالأمة – الدولة لبنان إلى كابوس قيامي، وجعل من كاميلوت مدينة من النحاس. وذوبان الثقافات المختلفة في إناء واحد، جعل العقائد والأعراق ضحية تنوعها. والعلمانية، وهي مبدأ قومي لا بد منه، توأم الحداثة والديمقراطية، دقت طبول خسارتها أمام العنف الطائفي المتصاعد الذي وصل لذروته باغتيال الرئيس المنتخب عام 1982، وهو الماروني الشاب ذو الكاريزما بشير الجميل، الذي، حسب الأمنيات، كان منوطا به وضع حد للحرب الأهلية. ولكن كانت الضربة القاصمة التي تلقتها «دولة الفانتازيا» اللبنانية، بتعبير وبمصطلحات جاكلين روز، أخذت شكل الغزو الإسرائيلي العام 1982، الذي آذن ببداية احتلال أجنبي ولو أنه قصير الأجل، لكنه لا ينمحي من الذاكرة. فهو تذكير بالحملات الصليبية السابقة والاستعمار الفرنسي الذي لم تمض عليه عهود طويلة. فقد تمزقت القومية، المشروع الأساسي بعد الاستعماري الذي عمل على استعادة المستعمرات إلى مجدها الحضاري السابق والمنصرم.
وألحقت به الثيوقراطية والأتوقراطية اللتان شاعتا في فترة ما بعد الاستقلال شر هزيمة. وهو الآن مضعضع ومهدم بالكامل. لم تضمن الأمة – الدولة، البنية القومية للمعرفة، التي ثبت أنها غير قادرة، وغير مهيأة لاستبدال الإمبراطورية ولا الدين، حلا ناجعا لمجتمع متخيل يضمن فيه الأفراد لأنفسهم مكانا. ولم تتمكن هذه الخطة البديلة من ملء الفراغ الميتافيزيقي الذي تخلف برحيل الإمبراطورية والدين، والغياب المقلق والمزعج الذي تخلف عنهما قد استحوذ على النصوص الأدبية المعاصرة، سواء هي حديثة أو بعد حداثية، أو أنها بعد استعمارية أو قومية أو بعد قومية.
إن سقوط الأمة- الدولة، باعتبارهما معا واقعا وفانتازيا يوتوبية، لا بد أنه بالضرورة مرتبط بأزمة النخبة على صعيد الأنطولوجيا والمعرفة، ومن دواعي المفارقة، أنهما محددان بالدرجة التي وصل إليها الفكر القومي كإيديولوجيا يفسر ويوجه الأفكار والمخيلة.
إن خوري اليوم هو واحد من المثقفين والصحافيين والروائيين العرب الذين لهم شهرة واسعة النطاق، ويعملون في بيروت. إنه من النوع الذي يمكن لتيموثي برينان أن يسميه كاتبا «كوزموبوليتانيا»، ويبدو كأنه في موطنه وبيته سواء كان المكان عربيا أو فرنسيا أو إنكليزيا. سواء كان في بيروت أو باريس أو نيويورك. ولكن نوعية حياته الكوزموبوليتانية لا تصمد طويلا (فهو يزور باريس ونيويورك ليكتب، ويعلّم، ويلقي محاضرات عامة) ولكنه يكون في أعماقه عربيا، مرتبطا بتحرير ليس لبنان فقط، ولكن كل العالم العربي.
لذلك إن التحرير، في هذه الحالة مرادف لتفكيك الاستعمار بمعناه الواسع، وهذا في رأس قائمة الأجندة السياسية والثقافية والأدبية التي يتبناها.
كتاباته، ولتكن في نقد الخطاب الثقافي، أو النقد الأدبي أو الرواية والقصة مسيسة جدا، وغالبا تتمركز حول الآثار غير المستقرة والخلافية التي تركها الاستعمار على الحياة السياسية والنخبوية للعرب، بمن فيهم عرب فترة ما بعد الاستعمار الحالية. لقد تبلورت تركة الاستعمار لديه في «المعضلة الفلسطينية»، التي أصبحت رمزا للفشل الذي لحق بكل طبقات الفكرة القومية. فقد أخفقت في تحقيق مشروعاتها الأساسية التي تهدف إلى القضاء على الاستعمار وإلى التحديث والوحدة العربية ولم تصل بها إلى النهاية الموعودة. والوجود المتواصل لدولة إسرائيل وقدراتها الملموسة في غزو واحتلال البلدان العربية المجاورة متى شاءت كان يلعب دور تذكير مرير وفوري بهذا الفشل.
وروايته «رحلة غاندي الصغير» في ضوء ذلك تكون قد ركزت بالضرورة على الغزو الإسرائيلي. فهي تخبرنا بحكايات عدد من الأشخاص الذين ترتبط مقاديرهم مباشرة بهذا الغزو. فغاندي الصغير، البطل المذكر في الرواية، توافيه المنية يوم دخول الإسرائيليين إلى بيروت (15 أيلول/سبتمبر 1982) بينما أليس، البطل المؤنث، تختفي يوم انسحابهم منها (1984). على أي حال، إن الغزو والاحتلال الإسرائيلي لبيروت هو مخاض فقط ويحرض مشكلة أوسع وأعمق تجتاح المناخ الثقافي والسياسي الذي أنتج هذه الحرب المتحجرة القلب والمحرومة من المشاعر. إنها تتوج ما تكرم به علينا العنف العشوائي، الذي استهلك لبنان ودمره، أو كما تقول الرواية «حرب ماشية بلا هدف»، وهكذا يقود الراوي الحكاية إلى نهايتها، مع وصف سريع للموت أو اختفاء شخصيات الرواية في أعقاب انسحاب إسرائيل. والتهديد الذي يرسمه التحليل الأخير في الرواية يعزو القليل لإسرائيل أو «للاستشراق» الاستعماري، الذي يتطرق إليه جزئيا. ولكنه يؤكد على العقلية الطائفية المستشرية بين العرب.
الطائفية، شكل من أشكال تدهور القومية، فهي التي سهلت صناعة واستمرارية دولة إسرائيل، ومهدت الطريق لنجاح استراتيجية «فرق تسد» التي تبنتها الإمبريالية الأوروبية سابقا واليوم الإمبريالية الأمريكية. والأهم من كل ذلك نفي وتهشيم الأمة – الدولة في لبنان.
في سلسلة من المقالات المكتوبة بين 18 كانون الثاني/يناير و6 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1984 ولصالح جريدة «السفير»، يومية تصدر في بيروت وكان يرأس تحرير ملحقها الأدبي. استفاد خوري من الأوضاع الغريبة وحاول أن يتوقع المستقبل. فرفض فكرة «الإمبريالية الثقافية» وتميز بذلك عن أقرانه مؤكدا أن المصطلح مغالطة. فالثقافات لا تغزو ولكنها تتفاعل. وكما قال إدوارد سعيد «الاستشراق» هو خطاب إمبريالي يضع مؤسسات المعرفة تحت سيطرة الرأسمالية ويجب ألا نخلطه بالثقافة»الغربية». فهما ليسا واحدا. والمقاومة ضد الإمبريالية يجب ألا تتورط في سلوك خطاب «ضد استشراقي» فهذا يسجن التفكير «الشرقي» في المعرفة «الاستشراقية»؛ وعوضا عن ذلك يجب تطوير طريقة لفحص- الذات.
هل إن تشظي الأمة – الدولة اللبنانية والأمة العربية هو سبب أم أنه نتيجة ومن آثار الغزو الإسرائيلي؟ في الواقع، السؤال هو: كيف يفصّل «الواقع» العربي نفسه حسب أجندة الرأسمالية الإمبريالية؟ هذه الأسئلة برأي خوري هي التي على العرب أن يسألوا أنفسهم عنها. «الاستشراق» الذاتي، وهو نوع من أنواع الاهتمامات المضادة لأطروحة «الاستشراق»، ويعمل على إنتاج وحبس ذاته في مؤسسات المعرفة وخطاب السلطة اللذين يرسمهما لنا «الغرب»، لذلك هو عبارة عن استراتيجية غير فعالة وغير مرغوب بها للمقاومة. وأن تشق طريقك إلى الأمام يتطلب تحولا راديكاليا في النظام الإبستمولوجي العربي الفاعل على الساحة، وهذا يتضمن إعادة التفكير بالتحسينات الحالية التي تطال كلا من شكل ومضمون- الذاكرة (dha kira)، والمؤسسة التاريخية، والمجتمع والثقافة (زمن الاحتلال، ص175- 183). إن التقدم إلى الأمام ترافق مع تدخل الاستعمار الأوروبي، والاستعمار الأمريكي الجديد، والغزو الإسرائيلي والحرب الأهلية اللبنانية، وكلها تبدو من هذه الزاوية حروبا ذاكروية، لا تنسى، تتسابق لتوقيع نقاط الذاكرة على الخريطة ثم على كيفية توظيفها واستعمالاتها.
إن الحرب الأهلية اللبنانية تقلل من أهمية الذاكرة في تشكيل وتشظي المجتمع والثقافة والأدب. وانهيار المجتمع اللبناني لا بد منه، كما يقول خوري، أمام انتصار الذاكرة الأسطورية وتأسيس الهوية الطائفية. طبعا يقابل ذلك سقوط الذاكرة التاريخية وهي أساس الأمة- الدولة الحديثة (زمن الاحتلال، ص183). إن الهدف النهائي وتأثير الحرب في خاتمة المطاف يلغي جزءا من الذاكرة، ويسمح بتشكيل ذاكرة بديلة تعمل على شرعنة وقوننة نظام إبستيمي على حساب آخر. وها هو خوري يقول متباكيا:» إنهم يريدون منا أن ننسى، وهكذا نغرق في الوهم ويقتل الواحد منا الآخر، ولكن (أرضنا) تصبح محتلة، وتفقد (كلماتنا) معانيها، ويحصدنا الموت جميعا بلا استثناء».
وين ـ شين أويانغ Wen-chin Ouyang: أستاذة الأدب العربي والمقارن في معهد الدراسات الإفريقية والاستشراقية في جامعة لندن، راسيل سكوير، مولودة في تايوان. تلقت علومها في طرابلس الغرب، ثم في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة. عملت بالتدريس في عدة جامعات أوروبية وأمريكية. منها كولومبيا وفرجينيا وشيكاغو. ولها عدة بحوث ومؤلفات عن ألف ليلة وليلة والعصر الوسيط من تاريخ الأدب العربي الكلاسيكي. والترجمة بإذن خطي منها.

* كاتب ومترجم سوري

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: