فيلم «بيت بيوت» لنادين نعوس:

لم أكــن أعـرف أنّ أبي شخصيـة سـينمائية.. كان ممثلا وكنت مخرجة في الطريق إلى رام الله كان الجنود يضحكون خلف الحاجز كأنهم في رحلة

2015-10-27


أجرى الحوار: سليم أبو جبر

عندما علمت المخرجة نادين نعوس أن والدها ومدير مدرسة في جنوب بيروت يمرّ بصعوبات مالية خطيرة وأنه قد يضطر لبيع مدرسته قررت تصوير فيلم.. كان أول ما خطر في تفكيرها: «إذا فقد والدي المدرسة، فإنه سوف يموت». . أمضى والد المخرجة 40 عامًا مديرًا في مدرسة علمانيّة أسّسها في الضاحية الجنوبيّة لبيروت التي كانت في السابق منطقة مختلطة.
 في وقت لاحق اكتشفت أن والدها رهن منزل العائلة في محاولة لتغطية بعض من تلك الديون. تلقت الأخبار السيئة وهي في منزلها في باريس، اتصلت بها والدتها من بيروت وأخبرتها بالأمر، بدأت تفكر في إيجاد حل، ولم يكن في وسعها سوى البدء بتصوير فيلم «بيت بيوت».
على الرغم من أنها تركت بيروت عندما كان عمرها 17 عاما فلا تزال مرتبطة ببيت العائلة، فعادت من أجل توثيق هذه الفترة المؤلمة في حياة عائلتها وفي حياة لبنان.
في هذا الفيلم تقدم نادين نعوس صورة شخصية للغاية عن والديها، خاصة عن والدها:
 ماذا لو كان والدي في بلد آخر، هل يمكن أن يحدث هذا؟ بالتأكيد، نعم ولكن لأسباب أخرى. حتى ظننت أن هناك ارتباط ما لأنها قصة شخصية للغاية وخاصة جدا، لكنها أيضا قصة هذا البلد لبنان والأحداث التي وقعت فيه على مدى سنوات طويلة.

- انت قادمة من باريس للمشاركة في أيام سينمائية في فلسطين بهويتك اللبنانية.. كيف كان وصولك؟
منذ 30 عاما أردت المجيء لكنني لم استطع بسبب عدم حصولي على جواز السفر الفرنسي، لكني استطعت القدوم أخيرا. كان شعورا غريبا جدا.. عندما ما خرجت من مطار اللد لم أفهم في أي بلد أنا وكأنني في رحلة سياحية ثم انتبهت أني وصلت إلى فلسطين.. في الطريق إلى رام الله شعرت أنني أمر في فيلم روائي خاصة حين المرور بالقرب من الجدار والحاجر. كان الوقت ليلا وكان هناك مجموعة جنود يقفون عند الحاجز من الجانب الآخر يضحكون وكأنهم في رحلة.. كانت هذه صدمة بالنسبة لي. في رام الله شعرت وكأني في مكان أليف وغريب في ذات الوقت، هناك تفاصيل أعرفها وأخرى غريبة بالنسبة لي.

- قصتك مع السينما كيف بدأت حكايتك؟
 عندما كنت صغيرة كانت عائلتي تحب رواية القصص، كنا نتجمع حول أبي ونستمع للقراءة. كانت تلك أيام الحرب، نتجمع في البيت ويعرض أبي سينما للأطفال، العلاقة مع السرد والسينما علاقة قديمة من الطفولة في فترة معينة أحسست بأن السينما هي الوسيلة الأكمل التي تمكنني من سرد الحكاية التي أريدها، لذا درست الأدب والسينما في الجامعة ثم عملت كمساعدة مخرج في فيلم فرنسي.
أهدوني كاميرا 8 ملم صورت فيها فيلمي الأول «إنعكاسات».

- ما هو سبب تسمية الفيلم بهذا الاسم؟
كانت هناك صورة لأبي في مدخل بيتنا داخل إطار وقد كتب تحتها بالإنكليزية Home sweet home  استعملت هذه العبارة لأني وجدته عنوان ساخر، فكل الحالة التي يدخل فيها الوطن وحتى بيتي ليست حلوة.. وهنا تكمن حكاية الفيلم عبر التناقض بين العنوان وما يسرده.

- فيلم بيت بيوت الذي يعرض في رام الله هو فيلم شخصي، كيف استطعت أن تصنعي هذا الفيلم دون أن تخلقي حساسية مع العائلة؟ وكيف أقنعت والدك بذلك؟
 طلب والدي قروض عديدة من البنوك على مر السنين لم يستطع تسديدها وازدادت معدلات الفائدة أكثر وأكثر وأصبح من الواضح أنه لا يستطيع الخروج من هذه الورطة. شعرت لو أن عائلتي فقدت البيت سيكون هذا أمر رهيب بالنسبة لي، لأن هذا هو المنزل الوحيد الذي أشعر فيه أنني حقا في البيت.
أول هدف من الفيلم كان فتح حوار مع أبي وفهم ما حدث خلال فترة غيابي، الكاميرا كانت سلاحي للفعل. أبي شخصية سينمائية لا يمنح كل شيء بسهولة، حين بدأت التصوير  لم يكن الحديث معه حول الفيلم بشكل مباشر، ثم بدأت الأمور تتضح بشكل أسرع. قبل أبي بالدخول في التصوير وكنا نتكلم عن أنفسنا كأننا طاقم عمل، وكان ممثلا وكنت مخرجة.

- هل تغيرت علاقتك مع أبيك بعد الفيلم؟
 نعم، حدث فرق كبير، أصبحت بيننا حرية أكبر في تبادل الكلام والحوار، الآن يستطيع أبي للتعبير عن نفسه أمامي بشكل مباشر دون الحاجة لوسيط. الفيلم حرك الكلام بيننا وحررنا.

- ظهرت في الفيلم كشخصية.. كيف اتخذت القرار بذلك كمخرجة؟
واحدة من دوافع الفيلم كان الخوف من فقد البيت في بيروت وهو المكان الوحيد الذي أشعر فيه إنني في البيت. كان هناك نقاش طويل مع المنتجين الذين كانوا مقتنعين بخروجي من الكادر، لكنني أحسست أن هذا التصوير سيكون كحالة استجواب لعائلتي.
أردت أن أكون معهم في ذات المستوى، كنت أريد أن يظهر كيف أتأثر أنا أيضا بالأحداث وما يحصل مع تطور الامور. علاقة أمي وأبي مع الكاميرا كانت صحفية نوعا ما، لكن وجودي داخل الكادر احدث التحول للأفضل وكأنه شيء حميمي وفني أكثر.

- كيف تعاملت مع شخصيات ليست غريبة عنك؟
 لم أفعل شيء لأتجهز للأمر لكنني كلما أحسست أنني دخلت إلى أماكن يصعب التعامل معها.. أتوقف وأتنفس بقوة ثم أعود لأكمل سرد الحكاية وبطريقة سينمائية.
 أعتقد أن هناك الكثير من الناس في لبنان مثل والدي، لذلك هو مرآة. وأردت كسر هذا الصمت وفتح الأسرار، وأن لا تكون المسألة من المحرمات بعد الآن.

- التجأت أيضا ل « الأنيميشن « والتعليق الصوتي..
بناء شخصيتي في الفيلم كان أمرا مهما.. ساعدني هذا الأسلوب في وضع مسافة بيني كشخصية وبيني كمخرجة، وأسلوب الصور المتحركة ساعدني في علاقتي مع أبي وعلاقة أبي مع الأطفال، هي وسيلة تعبيرية مهمة عما أريد الكلام عنه..  كما أن التعليق الصوتي كان حاجة بالنسبة لي لأعري نفسي الأخرى أمام الكاميرا وبعض الأحيان السخرية من نفسي.

- ضمن أي صنف سينمائي تصنفين نفسك؟
لا آؤمن شخصيًا بالفصل بين الوثائقي والخيالي لا أشعر أنني أحب أن أصنف. فيلمي الجديد سيكون فيلم روائي قصير لكنني أشعر أنه لا بد وأن يحتوي على الوثائقي أيضًا.


ولدت نادين نعوس عام 1974 من أب لبنانيّ وأم فلسطينيّة. درست السينما والأدب وعملت كصحفية، مساعدة مخرج، مترجمة، ممثلة وكاتبة سيناريو. في عام 2006، أخرجت أول فيلم وثائقيّ لها «كل واحد وفلسطينو»، الذي عرض في مهرجانات دوليّة كثيرة وتم بثه على قناة Arte في فرنسا وألمانيا. أخرجت عام 2009،أول فيلم روائيّ قصير «كليشي»، عرض في مهرجانات دوليّة ومتاحف فرنسيّة كما تم بثه على قناة Arte. عُرض فيلمها «بيت بيوت» لأول مرة في مهرجان «نيون» في سويسرا، ولا يزال يجول المهرجانات والبلدان ما بين برلين، دبي، كوريا وحاليا في رام الله وحيفا والقدس والناصرة.. نالت عن الفيلم جائزتين في فرنسا وفي المغرب.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: